العيني

15

عمدة القاري

الاستطابة والاستجمار والاستنجاء لتطهير محل الغائط والبول ، والاستجمار مختص بالمسح بالأحجار ، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء وبالأحجار . وقال ابن حبيب : وكان ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر ، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعاً . يقال في هذا تجمر واستجمر فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرة واحدة ، لما بعد الأولى ، وحكي عن مالك أيضاً ، والأظهر الأول ، ويقال : إنما سمي به التمسح بالجمار التي هي الأحجار الصغار لأنه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور ، ومنه سميت جمار الحج وهي : الحصيات التي يرمي بها . قوله : ( فليوتر ) أي : فليجعل الحجارة التي يستنجى بها وتراً ، إما واحدةً ، أو ثلاثاً أو خمساً ، وقال الكرماني : المراد بالإيتار أن يكون عدة المسحات ثلاثاً أو خمساً أو فوق ذلك من الأوتار . قلت : لم يذكر الواحد ، مع أنه يطلق عليه الإيتار هروباً عن أن لا يكون الحديث حجة عليهم ، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى . بيان استنباط الاحكام الأول : فيه مطلوبية الاستنثار في الوضوء والإجماع قائم على عدم وجوبه ، والمستحب أن يستنثر بيده اليسرى ، وقد بوب عليه النسائي ، ويكره أن يكون بغير يده ، حكي ذلك عن مالك أيضاً لكونه يشبه فعل الدابة ، وقيل : لا يكره . فان قلت : السنة في الاستنثار ثلاث مثل الاستنشاق أم لا ؟ قلت : قد ورد في رواية الحميدي في ( مسنده ) عن سفيان عن أبي الزناد ، ولفظه : ( إذا استنثر فليستنثر وتراً ) . وقوله : ( وترا ) يشمل الواحد والثلاث وما فوقهما من الأوتار ، وورد في رواية البخاري : ( فليستنثر ثلاثاً ) . كما ذكرناها ، ويمكن أن تكون هذه الرواية مبينة لتلك الرواية ، فتكون السنة فيه أن تكون ثلاثاً كالاستنشاق فافهم . الثاني : من فسر الاستنثار بالاستنشاق ادعى أن الاستنشاق واجب ، وقال النووي : فيه دلالة لمذهب من يقول : إن الاستنشاق واجب لمطلق الأمر ، ومن لم يوجبه يحمل الأمر على الندب بدليل أن المأمور به حقيقة ، وهو : الاستنثار ليس بواجب بالاتفاق . وقال ابن بطال : الاستنثار هو دفع الماء الحاصل في الأنف بالاستنشاق ، ولم يذكر ههنا الاستنشاق لأن ذكره الاستنثار دليل عليه إذ لا يكون إلاَّ منه ، وقد أوجب بعض العلماء الاستنثار بظاهر الحديث ، وحمل أكثرهم على الندب ، واستدلوا بأن غسله باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء : قلت : الذين أوجبوا الاستنشاق هم : أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر ، واحتجوا بظاهر الأمر ، ولكنه للندب عند الجمهور بدليل ما رواه الترمذي محسناً ، والحاكم مصححاً من قوله : صلى الله عليه وسلم للأعرابي : ( توضأ كما أمرك الله تعالى ) ، فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الإستنشاق . وقال بعضهم : وأجيب : بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء ، فقد أمر الله تعالى باتباع نبينه ، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق ، بل ولا المضمضة ، وهذا يرد على من لم يوجب المضمضة أيضاً ، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في ( سنن أبي داود ) بإسناد صحيح . قلت : القرنية الحالية والمقالية مناطقة صريحاً بأن المراد من قوله : ( كما أمرك الله تعالى ) الأمر المذكور في آية الوضوء ، وليس فيها ما يدل على وجوب الاستنشاق ولا على المضمضة ، فإن استدل على هذا القائل على وجوبها بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من غير ترك فإنه يلزمه أن يقول بوجوب التسمية أيضاً ، لأنه لم ينقل أنه ترك التسمية فيه ، ومع هذا فهو سنة أو مستحبة عند إمام هذا القائل . الثالث : فيه مطلوبية الإيتار في الاستنجاء . قال الكرماني : مذهبنا أن استيفاء الثلاث واجب ، فإن حصل الإبقاء به فلا زيادة إلاَّ وجبت الزيادة ، ثم إن حصل بوتر فلا زيادة ، وإن حصل بشفع استحب الإيتار . وقال الخطابي : فيه دليل على وجوب عدد الثلاث ، إذ معلوم أنه لم يرد به الوتر الذي هو وأحد لأنه زيادة صفة على الاسم ، والاسم لا يحصل بأقل من واحد ، فعلم أنه قصد به ما زاد على الواحد وأدناه الثلاث . قلت : ظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه فيما ذهبوا إليه من أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون ، لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث والحديث دال على الايتار فقط فإن قلت تعيين الثلاث من نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يستنجي بأقل من ثلاث أحجار . قلت : لما دل حديث أبي هريرة ( من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج ) على عدم اشتراط العيين ، حمل هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط ، لأن التطهير غالبا إنما يحصل بالثلاث ، ونحن أيضاً نقول : إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلاَّ بالثلاث يتعين عليه الثلاث ، والتعيين ليس لأجل التوفية فيه ، وإنما هو للانقاء الحاصل فيه حتى إذا احتاج إلى رابع وخامس وهلم جراً يتعين عليه ذلك . فافهم .